الجمعة، 22 مايو، 2015

التصنيف:

التنمية والسياسة



التنمية والسياسة

تمهيد:
نتعرض في هذه المحاضرة لتأثير التنمية في السياسة والعكس،وأهمية وجود الحكم الصالح في أي بلد ينشد التنمية،حيث أن الحكم الصالح يعكس إرادات الناس وتطلعاتهم،ويوزع الدخول بشكل عادل،ثم نلقي الضوء على الواقع العربي، مع البحث في أفاق التنمية السياسية بما يصلح من وضعنا،ونخلص إلى خلاصة مستفادة من هذه المحاضرة.

1/التنمية و شرعية السياسة.

هنالك تأثير متبادل بين التنمية والسياسة،فالنجاح في مشاريع التنمية يعزز من الدور السياسي لأية حكومة تقود هذه التنمية،ويرفع من رصيدها إن على مستوى محلي أو دولي،كما أن السياسة الحكيمة والحكم الرشيد تؤديان بشكل تلقائي إلى زيادة فرص النجاح للمشاريع التنموية،وليس من اكتشاف للأسرار المبهمة إذا ما فشلت تنمية اقتصادية أو بشرية أو شاملة ومستدامة في أي بلد من البلدان حين توجد به حكومة تفتقر إلى أدنى مستويات العدالة،وتتفشى فيها ظاهرة الاستبداد والدكتاتورية،ويخترق أجهزة دولتها إخطبوط الفساد المالي والإداري،وليس من المستغرب أبدا أن تتفوق الدول ذات الأنظمة السياسية الديمقراطية من حيث التنمية والتطوير على الدول ذات الأنظمة المستبدة أو التي لا تشارك جماهيرها في اتخاذ القرار.

لقد توفرت بعض البلدان العربية على قدر هائل من الموارد والإمكانيات التي يمكن لها إن تبني ست حضارات في آن واحد،كما عبر عن ذلك احد الخبراء،لكن هذه الدول تفشل فشلا ذريعا في التغلب على مشكلة السكن عندها،حتى بات ما يزيد على 50% من مواطنيها،لا يمتلكون السكن الملائم ولا توجد لديهم الفرصة لامتلاكها،مما ينذر بمشكلة اجتماعية كبيرة قادمة لا محالة،وتنهار مشاريع تنموية ضخمة لاختلال طبيعي أو متعمد،ومع ذلك لا تجد حكومات هذه البلدان تعتبر نفسها معنية بشكل جدي عما يحدث أو أن ذلك يؤثر على التنمية والتطوير فيها،ولا تحسبها تهدد مستقبلها السياسي.

التنمية والسياسة أصبحتا اليوم متشابكتين ببعضهما البعض وتدوران مدار الوجود والعدم،في عالم أصبح منفتحا وتداخلات أممية لم يعد بالإمكان الهروب منها،فتقارير الأمم المتحدة المتلاحقة سنويا،تكشف بدقة ما تنجزه كل حكومة من تنمية وارتقاء لشعبها،ومن ثم يعطي بالأرقام والحقائق مبررات إضافية لاستمرار هذه الحكومة أو تلك،أو يحفز من الضغط الشعبي عليها لتقلع سريعا قبل أن يتحول الضغط إلى هيجان شعبي يقتلع هذه الحكومة من الجذور.

وإذا كان كل نظام سياسي يحتاج إلى شرعية يتكئ عليها ليبرر استمراره في الحكم،والتمسك بمقاليد الأمور في أي بلد،فان التنمية بشتى تصنيفاتها تعد اليوم احد الدعائم الأساسية للشرعية،والتنمية هذه ليست ما يحاول النظام السياسي الحاكم في كل بلد إظهاره والتفاخر به على الصعيد المحلي أو الخارجي،بل ما تتضمنه التقارير الدولية التي تتسم بنسبة عالية من المصداقية والدقة.


2/ التنمية والحكم الصالح

ترجع بعض الدراسات ظهور مصطلح الحكم الصالح إلى القرن الثالث عشر كمرادف لمصطلح الحكومة،استخدم بداية في اللغة الفرنسية،ثم كمصطلح قانوني سنة 1978،ليعبر في نطاق واسع عن تكاليف التسيير،ومع تنامي ظاهرة العولمة كان الهدف منه ضمان نمط جيد في التسيير للنظام الاجتماعي من اجل تحقيق المطالب الديمقراطية،وقد عرف الحكم الصالح"بالإدارة الشفافة والقابلة للمحاسبة للموارد البشرية والطبيعية والاقتصادية والمالية لغرض التنمية المنصفة والمستمرة،وذلك ضمن بيئة سياسية ومؤسساتية تحترم حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية وحكم القانون".
ويعتبر الحكم صالحا حين تتوفر ديمقراطية حقيقية توفر المشاركة وتمثيل الشعب بشكل عادل ومحاسبة للحكومة،وحماية لحقوق الإنسان،واحترام لحكم القانون وإدارة العدالة،واستقلالية المجتمع المدني وتنشيط دوره ،وإدارة احترافية وحيادية في النشاط الحكومي،سيما ما له صلة بالمال العام،وسلطات غير مركزة في يد فرد أو مجموعة لحكومة محلية فعالة،وبمشاركة تامة من قبل المواطنين،وكل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تنمية شاملة ومستدامة .
لقد كشف دراسات للبنك الدولي أن هنالك علاقة ايجابية بين الحكم الصالح وارتفاع نصيب الفرد من الدخل القومي،وهو احد أهداف التنمية،كما أن إتباع المقاييس الرئيسية للشفافية والوضوح تؤدي إلى تخفيض سعر القروض الدولية والمحلية بنسبة 7% إلى 17% مما يشير إلى أن المستثمرين يعتبرون الحكم الصالح عاملا مخفضا لمخاطر الاستثمار،كما وجد ذلك صندوق النقد الدولي.
ويعمل الحكم الصالح على زيادة فاعلية المساعدات ويشجع على استخدام الموارد المحلية بشكل أفضل،وهو ما يفضي إلى نتائج تنموية جيدة،وبذلك فان الحكم الصالح يؤثر بشكل كبير على أهداف وبرامج التنمية الشاملة والمستدامة.
 لقد وضع البنك الدولي 22 مؤشرا لاختيار الحكم الصالح وتحقيقه،ويخص 12 مؤشرا منها المساءلة العامة،و10 مؤشرات تخص جودة الإدارة،ومن مؤشرات المساءلة العامة،درجة انفتاح المؤسسات السياسية في البلد،ودرجة المشاركة السياسية ونوعيتها،ودرجة الشفافية ومدى القبول الذي تحضى به الحكومة لدى الشعب،ودرجة المساءلة السياسية،وتستعمل البيانات الموضوعات التالية:
الحقوق السياسية للأفراد، والحريات المدنية، وحرية الصحافة،والأداء السياسي،والتوظيف لدى الجهاز التنفيذي،وتنافس التوظيف،والمشاركة في التوظيف،والقيود لدى التنفيذ،والمساءلة الديمقراطية،والشفافية.
أما مؤشر قياس الجودة فيشمل، درجة الفساد ونوعية الإدارة وحقوق الملكية والإدارة المالية وتخصيص الموارد واحترام القانون وتطبيقه والسوق الموازي.

ولتحقيق الحكم الصالح لابد من وجود انتخابات حرة وحقيقية،وفعالية لدى المجتمع المدني،وانفتاح على الفضاء الإعلامي الحر،والتعاون بين كافة المناشط السياسية لتحقيق التنمية المستدامة،واعتماد سلطة القانون،والشفافية في إدارة الموارد المالية،وامتلاك رؤية مستقبلية يعمل الجميع على تحقيقها.





0 التعليقات:

إرسال تعليق