الجمعة، 22 مايو، 2015

التصنيف:

أنظمة الضبط الاجتماعي



ما هو المجتمع
المجتمع تآلف معقد يشمل بين مقوماته الأساسية الوطن – البيئة والسكان والتنظيم الاجتماعي والمؤسسات والبنى- متفاعلة فيما بينها ومع المجتمعات الأخرى،وقد تعتبر بعض المجتمعات حضارية والأخرى مجتمعات محلية أو ريفية،نظرا لحجم المجتمع وأنماط الحياة فيه،ونجد بهذا الصدد كيف كان ابن خلدون يتكلم عن خشونة البداوة ورقة الحضارة،فالبدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم،بينما الحضر هم المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم،ويذهب إلى أن أهل البدو اقرب إلى الخير والشجاعة،وان الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد،بسبب أن نفس البدو على حد تعبيره "على الفطرة الأولى" فيما اغمس أهل الحضر في النعيم والترف وفضلوا الراحة والدعة  وعانوا من فنون الملاذ والشهوات.
ويبدو من كتابات ابن خلدون والفكر الاجتماعي العربي الكلاسيكي أن القرية والفلاحة مهملان كنمط معيشة متميز،فيلحقان بالبداوة أو الحضارة حسب مدى استقرارهما وعمرانهما،أما في العصر الحديث فيميل علم الاجتماع إلى وضع حد للانتقاص من أهمية حياة الفلاحة وإعطائها أهمية خاصة،مشددا على وجود ثلاثة أنماط معيشية متفردة وهي:البداوة والفلاحة والحضارة،متمثلة على التوالي بالقبيلة والقرية والمدينة،ومن الواضح في علم الاجتماع الحديث أن لكل من هذه الأنماط المعيشية الثلاثة أنظمتها الاجتماعية والثقافية الخاصة،ولها قبل هذا تكونها الطبقي الذي لم يعطه ابن خلدون الكثير من الاهتمام.
لكننا نجد نصا واضحا يتحدث عن المكونات الطبقية،بمعناها الوظيفي وليس التنافسي أو الصراعي،وهذا النص يكشف عن اهتمام القادة الاوئل من المسلمين بالبحث الاجتماعي والتكوين المجتمعي،والحاجة إلى اخذ هذا التكوين بعين الاعتبار،وهو في تقديرنا ما يؤثر بشكل كبير على التغلب على عوامل الصراع بين هذه الطبقات الواقعية،وما ينتهي في المحصلة النهائية بالتنمية الشاملة والدائمة في المجتمع.

هذا النص نجده في ما كتبه الإمام علي بن أبي طالب،إلى عامله على مصر مالك الاشتر،الذي عرف بعد ذلك بعهد الاشتر،وقد نقل أن الأمم المتحدة أعطت اهتماما خاصا لهذا العهد،ونجد في هذا العهد تصنيفا واضحا للطبقات الاجتماعية بناء على وظائفها،وهو ما دفع د.نادر الملاح للقول أن التوصيف وظائفي اجتماعي،يقول الإمام علي :"واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض،ولا غنى  ببعضها عن بعض،فمنها جنود الله،ومنها كتاب العامة والخاصة،ومنها قضاة العدل ،ومنها عمال الإنصاف والرفق،ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس،ومنها التجار وأهل الصناعات،ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة،وكل قد سمى الله سهمه،ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله عهدا منه عندنا محفوظا"،وقد خلص الملاح إلى ثمان طبقان من خلال هذا النص،الجنود والكتاب والقضاة وعمال الإنصاف والرفق وأهل الجزية والخراج والتجار وأهل الصناعات والفقراء والمحتاجين وإدارة الدولة.

هذه الطبقات قد توجد في كل المجتمعات وقد تتباين الطبقات من حيث درجة القوة والضعف من مجتمع إلى أخر،وقد تكون هنالك طبقات أخرى أو توزيع أخر للطبقات،كالطبقة العليا والدنيا والمتوسطة،بناء على التقدير الاقتصادي للطبقات.
بالطبع يضاف إلى هذا التوزيع الطبقي،اتسام بعض المجتمعات بالتنوع اللغوي والاثني والعرقي والديني والطائفي،وإذا ما اخذ المجتمع العربي الكبير كمثال،فانه يتميز بشدة التنوع،هناك المجتمع الريفي والزراعي  والقبلي والحضري،وهناك الاثنيات المتعددة والأديان وان كان الغالب الإسلام،لكن في داخل الإسلام تتعدد الطوائف والمذاهب.

من هنا فان أي برنامج تنموي لأي مجتمع لابد أن يأخذ في الاعتبار هذا التنوع،لان التنوع في المجتمعات يمكن له أن يكون سببا في الصراعات،وقد يذهب بكل الجهود التي تبذل للتنمية أدراج الرياح،ووجود نظام ضابط يوحد المجتمع ويحول الأهداف التنموية إلى أهداف مشتركة للجميع،يساهم في تحقيق أهداف التنمية،ويسارع في عجلة تطوير المجتمع.

أنظمة الضبط الاجتماعي

يتحدث علماء الاجتماع عن ثلاثة أنظمة ضبط اجتماعي لها دور كبير في استقرار المجتمع،ومن ثم انعكاس ذلك على مشاريع التنمية فيه،وهذه الأنظمة هي:
1/النظام الديني.
2/النظام الاقتصادي.
3/النظام التعليمي.
ولكل نظام من هذه الأنظمة الثلاثة خصائصه،وقيمه ودوره ووظائفه في الضبط الاجتماعي،وقد تتعاضد الأنظمة مع بعضها لدفع المجتمع نحو النمو والتطور وقد تتنافس وتتصارع،مثلها مثل الطبقات الاجتماعية.
يؤكد علماء الاجتماع أن الوظيفة العامة للدين هي انه يزود الإنسان بشيء من هدوء النفس وسلامة العقل،وعالم اليوم مليء بالمخاطر الجسيمة والشكوك والأوهام،وهناك حاجة إلى الإحساس بالأمن والطمأنينة،ولذلك فان مختلف الناس في مختلف مراحل التطور يحققون هذه الرغبات ويشبعون حاجاتهم إلى الأمن بطرق عديدة منها اللجوء إلى الدين وممارساته العديدة.
لكن من الناحية الاجتماعية يعد الدين تعبيرا عن وحدة المجتمع أو النظام الاجتماعي كما يرى دوركيم،وذلك عن طريق تدعيمها وتقويتها للمشاعر والإحساسات التي يتوقف عليها تضامن المجتمع والنظام الاجتماعي.
ويذهب لندبرج إلى أن الضبط الاجتماعي يعتبر احد الوظائف الهامة للنظم الدينية وان هذه الوظيفة تختلف إلى حد كبير باختلاف الأديان والعصور والمجتمعات.
كما أكد علماء الاجتماع أن الضبط الاقتصادي يستخدم في كل المجتمعات حتى البدائية منها،وهو وسيلة فعالة من وسائل الضبط الاجتماعي ،كما تتعدد أساليب الضبط الاقتصادي،ومن أمثلة تلك الأساليب،استخدام الأجر والجزاءات الاقتصادية كأداة لضبط السلوك وكذلك استخدام الإعلان كوسيلة لتوجيه سلوك وعادات أعضاء المجتمع.
يضاف إلى ذلك أن هناك إجراءات اقتصادية عديدة تضيق من نطاق القوة الاقتصادية للأفراد،مثل الضرائب الجمركية،وضوابط الثمن،التي تعمل على تغيير القوة الاقتصادية للأفراد،وتعدل من التوازن بين هؤلاء الذين يملكون العمل أو السلع والذين يملكون الثروة،ونتيجة ذلك هو التقليل من الدرجة التي يتمكن عندها أصحاب الثروة من استخدام ثرواتهم في ضبط سلوك الآخرين والتحكم فيه.
ويتمثل دور النظام التعليمي في توصيل المعارف والمهارات إلى الأشخاص وفي تدعيم الاتجاهات والقيم المرغوبة،وتطوير عادات التعليم،ليواجه الإنسان المستقبل بطريقة عقلانية واهم أهداف التعليم إعطاء الفرد أدوات لكي يعمل بها وطرق يفكر بواسطتها ليتسم بالثقة وبالضبط العقلاني الذاتي.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يساهم الأكاديميون والعلماء والمتخصصون في الشئون العلمية بتقديم الأفكار والخطط التي من شأنها أن تساهم في الضبط الاجتماعي وإشاعة حالة السلم الأهلي في المجتمع ما يساهم بشكل كبير في الضبط الاجتماعي.
غير أن هذه الأنظمة الثلاثة قد تتعارض وتتصارع مع بعضها،وحينها قد يؤدي هذا الصراع إلى تصدع وتدهور في برامج التنمية على كافة الأصعدة،ولذلك يلزم على القادة المخططين لبرامج التنمية أن يأخذوا بعين الاعتبار أهمية التضافر بين أنظمة الضبط الاجتماعي لتساهم مجتمعة وكل حسب دوره في تدعيم برامج التنمية.

4/المجتمع المدني
يعبر عن المجتمع المدني بذلك الفعل البشري الذي يقتنع بضرورة تقوية الفضاء العام على حساب الدولة،وهناك من يضعه في موقع وسط بين الدولة والأسرة،ويهدف لخدمة مصالح الإفراد،ومن هنا برزت فكرة المواطنة وما يتبعها من وجوب المساواة بين الناس،و عرف عند البعض بأنه عالم الحياة الاجتماعية المنظمة الذي يقف بين الأفراد والمؤسسات السياسية التمثيلية.
وقد برز مفهوم المجتمع المدني بعد تطورات نهاية القرن الماضي،وتحديدا بعد انهيار الكتلة السوفيتية وسقوط حائط برلين وانتصار التضامن في بولندة،ويزداد  الاهتمام بمفهوم المجتمع المدني مع صعود موجات التحول الديمقراطي الذي شمل العالم.
ويرى المدافعون عن المجتمع المدني أن له دورا كبير في التأثير على برامج وأنشطة التنمية بحيث،انه يساعد في تعبئة الموارد بطرق تعجز الدولة بمفردها عن القيام بها،لان التنمية تنتفع من الحريات التي يقدمها المجتمع المدني،ولان الناس يقومون بمبادرات لا ينجزونها في أوضاع أخرى.

5/الخلاصة.
لاشك أن هنالك علاقة كبيرة بين المجتمع والتنمية،ولا يمكن لمشاريع التنمية أن تحقق انجازات ما لم تعط اهتماما لقضايا المجتمع المختلفة من ثقافة وأنظمة ضابطة وحريات وديمقراطية وحقوق الإنسان،وان ارتفاع وتيرة الصراع في إي مجتمع يؤثر بشكل سلبي على قضايا التنمية.وبذلك يصبح الاهتمام بالقضايا الاجتماعية جزء من الاهتمام بقضايا التنمية،سواء كان ذلك في مجتمع محلي صغير أم مجتمع حضري كبير.





0 التعليقات:

إرسال تعليق