الجمعة، 22 مايو، 2015

التصنيف:

العولمة والتنمية المستدامة



العولمة والتنمية المستدامة


1/مفهوم العولمة وأصولها التاريخية.
العولمة ظاهرة مركبة ذات أثار بعيدة المدى،وقد اكتسب مفهومها الكثير من الدلالات الانفعالية وأصبح احد القضايا الساخنة ذات موضع نقاش دائم في الخطاب السياسي المعاصر،لكنها تعتبر قوة ايجابية لا سبيل إلى مقاومتها من اجل تحقيق الرخاء الاقتصادي للناس في جميع أنحاء العالم،وعلى طرف نقيض من ذلك ينحى عليها باللائمة كمصدر من مصادر الكثير من المشكلات المعاصرة.
وللعولمة كآلية أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية،إلا أن البعد الاقتصادي للعولمة قد حظي باهتمام متزايد من الباحثين،نظرا لما له من تداعيات وتأثيرات عل غيره من المتغيرات،ونظرا لاختلاف تأثيره على الجماعات والقوى المختلفة.
وتعني العولمة في شقها الاقتصادي الاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي والتدفق المستمر والسريع في السلع والخدمات  وراس المال والتكنولوجيا والمعلومات عبر الحدود الوطنية،وقد عرفت بأنها"آلية للتكامل السريع"أو أنها "امتداد للأنشطة الاقتصادية عبر الحدود السياسية للدولة"أو "أنها انهيار الحواجز الاقتصادية وتنامي سرعة التجارة الدولية وتزايد الأنشطة المالية والإنتاجية وتنامي قوة الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية".
وتشير العولمة وفقا لبعدها الاقتصادي إلى عنصرين مهمين،أولهما:يتمثل في دور الأطراف الفاعلة كالشركات الدولية والتنظيمات  الدولية والمؤسسات المالية الدولية والتكتلات الاقتصادية،وثانيهما:فيشير إلى السياسات كتحرير التجارة واتفاقيات حماية حقوق الملكية وتحرير أسواق المال وغيرها،والتي تتم على المستويين الدولي والوطني من خلال تشجيع الانفتاح والاندماج بين الدول.
ويؤرخ للعولمة أنها مرت بمرحلتين مهمتين:
الأولى:ما يسمى بالموجة الأولى للعولمة وذلك خلال أعوام 1879- 1914 وهي فترى تميزت بعدم وجود قيود على انتقال السلع وراس المال والعمل عبر الدول، ورافق ذلك تخفيف تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية والاعتماد على مبدأ"دعه يعمل دعه يمر".
الثانية:المرحلة من علم 1950 وحتى الآن،وتشير الدراسات إلى أن موجة العولمة شهدت تراجعا كبيرا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين ودعم ذلك فترة الكساد الكبير خلال الثلاثينات من القرن العشرين،لكن هذا التراجع سرعان ما تحول الاتجاه العكسي،حيث طبقت الكثير من السياسات للحد من الحواجز الوطنية التي تعترض سبيل المعاملات الاقتصادية الدولية،كما أن التكنولوجيا الجديدة أضفت طابعها المميز على العملية الراهنة للعولمة مقارنة بالماضي،فقد تقلصت بصورة هائلة الحواجز الطبيعية المتعلقة بالزمان والمكان ،كما انخفضت تكاليف انتقال المعلومات والأفراد والسلع ورؤوس الأموال انخفاضا شديد،مما أدى إلى توسع كبير في إجراء المعاملات الاقتصادية عبر الحدود الدولية.

2/آليات العولمة:
تعتبر التجارة الدولية من أهم آليات العولمة،وقد توسعت التجارة الدولية توسعا سريعا على مدى الثلاثة عقود الماضية،ومنذ عام 1986 نمت بصورة مطردة بمعدل يفوق كثيرا معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم،وخلال السبعينات  كان تحرير التجارة في إطار الاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية والتجارة – ألغات – ضئيلا وتدريجيا ،وشمل البلدان الصناعية  أكثر مما شمل البلدان النامية،بيد انه من الثمانينات ،بدا معدل تحرير التجارة ولا سيما بالنسبة إلى الدول النامية في التسارع ولم يأخذ التوسع التجاري شكلا موحدا في جميع البلدان حيث استأثرت البلدان الصناعية  ومجموعة  مؤلفة من 12 دولة من الدول النامية بنصيب الأسد،وفي المقابل لم تحقق معظم البلدان النامية أي توسع تجاري ملحوظ،كما تعرض معظم البلدان الأقل نموا وهي تضم معظم البلدان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى،لانخفاض نسبي في حصتها من الأسواق العالمية رغم قيام الكثير من البلدان بتنفيذ تدابير لتحرير التجارة.
ثم تأتي بعد ذلك تدفقات راس المال لتكون الآلية الثانية التي شهدت تطورا سريعا في أشكالها،وتتضمن تدفقات راس المال القصيرة الأجل  والاستثمار الأجنبي المباشر،وقد تسارعت معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر في بداية الثمانينات سواء من حيث القيمة المطلقة آو كنسبة الى الناتج المحلي الإجمالي،ومن 1980 شجعت السياسات الاقتصادية على نمو الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل اكبر،وعلى مدى فترة التسعينات كانت هناك زيادة مطردة في عدد البلدان التي اعتمدت قدرا كبيرا من التدابير الخاصة بالاستثمار الأجنبي المباشر.
ويأتي نمو تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات،كآلية ثالثة للعولمة،حيث ينظر إلى التغير المطرد في التكنولوجيا وما يتبعه من انخفاض مستمر في تكلفة الاتصالات،كأحد الأسباب الرئيسية لتعميق التكامل العالمي،حيث شهد النصف الثاني من القرن العشرين تسارعا للثورة العلمية والتكنولوجية،وقد أدى هذا التطور التكنولوجي إلى تغير أنماط الإنتاجية،والعلاقة ما بين العناصر الإنتاجية وبعضها البعض وبين أنواع العنصر الواحد.
ومن أهم ملامح الاقتصاد العالمي هو إدارته من خلال التكنولوجيا أكثر من التجارة،حيث تعتمد الأنشطة الاقتصادية على تدفق المعلومات والاتصالات وتزايد نسبة التجارة الالكترونية والتي خفضت من نفقات الانتقالات والمسافات التي كانت تمثل عوائق أمام الأسواق الدولية للسلع والخدمات،وأصبح بعض خدمات العمل يتم عن بعد،ولا شك أن التحولات التقنية تعد آلية حديثة من آليات العولمة لم تكن معروفة من قبل.

3/الفاعلون الاساسيون في العولمة.
تعد الشركات المتعددة الجنسيات آو الشركات الناشطة دوليا فاعلا رئيسيا لعولمة الصناعة والخدمات،ويمكن القول أن هذه الشركات أصبحت المنظم الأساسي للأنشطة الاقتصادية في اقتصاد عالمي يزداد تكاملا،ولدى هذه الشركات قوة احتكارية للموارد الاقتصادية،وكذلك لديها قدرة على الحصول عل التمويل اللازم لاتساع أنشطتها وذلك من خلال الدمج والاستحواذ مما يقلص الشركات العملاقة إلى عدد محدود.
وكذلك تعد المؤسسات المالية الدولية،فاعلون اساسيون في العولمة،واهم هذه المؤسسات البنك الدولي،وصندوق النقد الدولي،ومنظمة التجارة العالمية،ولهذه المؤسسات سلطات هائلة عل السياسات الاقتصادية في الدول النامية،سواء من خلال تطبيق سياسات اقتصادية معينة آو تقديم قروض ومساعدات مالية.

4/التنمية المستدامة.
يجمع مفهوم التنمية المستدامة بين بعدين أساسيين،هما التنمية كعملية للتغيير والاستدامة كبعد زمني،والدافع وراء ظهور هذا المفهوم ادارك أن عملية النمو في حد ذاتها لا تكفي لتحسين مستوى معيشة الأفراد على نحو يتسم بقدر من العدالة في توزيع ثمار التنمية،كما أن التركيز على البعد المادي لعملية النمو قد تراجع،ليحل بدلا منه الاهتمام بالعنصر البشري،على أساس أن الإنسان هو هدف عملية التنمية وأداتها في الوقت نفسه.
وقد تزايد الاهتمام الحقيقي بمفهوم التنمية المستدامة في بداية السبعينات من خلال مجموعة من الدراسات التي تناولت قضايا سوء استغلال الإنسان للبيئة وركزت أيضا على القيود البيئية والربط بين الاهتمام بالبيئة والتنمية.
وقد حظي مفهوم التنمية المستدامة باهتمام دولي خلال عقد السبعينات في مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 1972 والذي ركز أساسا على قضايا البيئة التي كانت واضحة بصورة كبيرة في الشمال وارتبطت بالتنمية الصناعية والنمو المتسارع لمعدلات الاستهلاك،ولم تستأثر القضايا التي تهم الدول الأقل نموا بالاهتمام الكافي وخصوصا حاجتها إلى اقتصاديات أكثر استقرارا وكذلك تحسين أوضاع البيئة فيها،إلا أن الحاجة إلى الربط بين أهداف البيئة والتنمية أصبحت أكثر وضوحا،ولفت الانتباه إلى القيود التي تفرض على النمو نتيجة النقص في الموارد  الطبيعية مثل الثروات المعدنية ومصادر الطاقة.
هذا،ويمكن تحديد أهداف التنمية المستدامة فيما يلي:
*الأهداف الاقتصادية: وهي النمو والفاعلية والاستقرار.
*الأهداف الاجتماعية:وهي العمالة والعدالة والأمان والتعليم والصحة والمشاركة والهوية الثقافية.
*الأهداف البيئية:وهي بيئة نظيفة للبشر،واستخدام رشيد للموارد الطبيعية المتجددة،والحفاظ على الموارد الطبيعية غير المتجددة.
وقد حدد البنك الدولي التنمية المستدامة في القرن الواحد والعشرين بأنها عملية متعددة الأبعاد وتتكون من خمسة مكونات،وهي:
1-راس المال النقدي ويتمثل في الإدارة المالية السليمة والتخطيط الاقتصادي الملائم.
2-راس المال الاجتماعي،ويقصد به مهارات وقدرات الأفراد وكذلك المؤسسات والعلاقات والقواعد التي تحدد طبيعة العلاقات بين الأفراد.
3-راس المال المادي ويتمثل في البنية التحتية والأصول الثابتة مثل الطرق والموانئ ومحطات توليد الطاقة وغيرها.
4-راس المال البشري ويتضمن صحة جيدة ومستوى تعليميا مقبولا.
5-راس المال الطبيعي وهي الموارد الطبيعية والخدمات الطبيعية.
كما أن منظمة  التعاون الاقتصادي والتنمية  قد وضعت مؤشرات لدراسة أبعاد التنمية المستدامة،وهي مؤشرات المصدر التي تقيس التغير في الأصول الاقتصادية والبيئية والاجتماعية،حيث تقيس نوعية الهواء والتغير في الوارد المائية والتغير في الأراضي واستخداماتها والتغير في استخدام مصادر الطاقة،وصافي التغير في الأصول المنتجة وصافي التغير في الأصول المالية والتغير التكنولوجي والتغير في راس المال البشري وفي الإنفاق على الاستثمار في راس المال البشري.
ومؤشرات النتيجة،وتشمل أنماط الإنفاق ومعدلاته وتوزيع الدخل والصحة والتعليم والعمل.
وجدير بالذكر أن هناك الكثير من الهيئات الدولية المعنية بقضايا التنمية المستدامة وعلى رأسها الأمم المتحدة وبرامجها والمؤتمرات المنبثقة عنها مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة،ومؤتمرات الأمم المتحدة للبيئة والتنمية واللجنة العالمية للتنمية المستدامة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

5/تأثير العولمة على التنمية المستدامة.
في ظل بيئة اقتصادية تتعاظم فيها قوة السوق ويزداد دور المؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسيات المدعوم من بعض القوى الكبرى في العالم،بات من الضرورة التعرف على تأثير العولمة الاقتصادية على التنمية المستدامة.
وقد أوضح تقرير"مستقبلنا المشترك"عام 1987 عن اللجنة العالمية للبيئة والتنمية أن نموذج التنمية الذي يسود العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية يعاني من أخفاقين،تزايد الفقراء في العالم،وتفاقم التدهور البيئي في كل أقاليم العالم.
كما أكد إعلان ريو أهمية إيجاد نظام اقتصادي عالمي يحقق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة لكل دول العالم،كما يحقق أفضل تعامل مع المشكلات البيئية.
وإذا كانت العولمة تحقق مكاسب محتملة،فإنها تسبب مجموعة من الخسائر،والتحدي الحقيقي يكمن في إدارة عملية العولمة بطريقة تدعم الاستدامة البيئية والتنمية البشرية العادلة،وكلما كان هناك تكامل بين السياسات البيئية والتجارية،كلما كان النمو الاقتصادي أكثر استدامة،وكلما كانت العولمة أكثر فائدة للبيئة.
ويتحدد تأثير العولمة الاقتصادية على البيئة والتنمية المستدامة من خلال قنوات عدة:فالعولمة تسرع من التغيير الهيكلي،ومن ثم تغيير الهياكل الصناعية في الدول وكذلك استخدام الموارد ومستويات التلوث،كما يمكن أن تعكس العولمة إخفاقات السوق وتشوش السياسات الاقتصادية وعدم تناسقها، مما يفاقم من تدهور البيئة،وقد تزداد الضغوط من اجل الإصلاح،،وفي الوقت الذي تحسن فيه العولمة أفاق النمو الاقتصادي في بعض دول العالم،فإنها تضعف آفاق النمو الاقتصادي لدول وقطاعات وصناعات بعينها،ومثل هذا التهميش لبعض الشعوب وبعض الاقتصاديات قد نتج عنه تدهور البيئة وقلة الموارد.
وفي حين ترفع العولمة من معايير الإنتاج العالمية بالشكل الذي يجعل المعايير البيئية متضمة بصورة كبيرة في أسواق السلع،فإنها قد تؤدي من جهة أخرى إلى ضعف القدرات التنافسية لبعض القطاعات والصناعات نتيجة الممارسات والسياسات التجارية غير العادلة،كما أن خفض المعايير البيئية قد يؤدي إلى سباق نحو الأسفل.
إن العولمة تغير من صورة السوق /الدولة،وفي الوقت الذي تفرض قيودا على الحكومات وتقوي دور السوق في الحياة الاقتصادية،فإنها تخلق للدولة حوافز لتقوية دورها في مجالات وقطاعات أخرى.

6/صور لتأثير العولمة في التنمية المستدامة:
تعد سياسات تحرير التجارة من ابرز صور العولمة،كما أن الشركات الدولية من القنوات المهمة للعولمة،وقد زادت معدلات التجارة الدولية بصورة كبيرة،كذلك تزايد نشاط الشركات الدولية وحجمها،،ويمكن أن يؤثر تحرير التجارة والدور الذي تلعبه الشركات الدولية على التنمية المستدامة من خلال التأثير على النمو الاقتصادي والاستثمار وعلى العوائد الحكومية وعلى الموارد البيئية،وكذلك على نوعية وكثافة التلوث،كذلك يؤثر تحرير التجارة على رفاهية الفقراء وعلى مستويات التشغيل والعمالة وذلك من خلال تأثيرها على أسعار المنتجات ومعدلات النمو الاقتصادي والاستثمار وعلى العوائد الحكومية وعلى توفير الشركات الدولية لفرص عمل لمواطني الدول التي تعمل فيها.
ولو أخذنا اثر الاستثمار الأجنبي المباشر على التنمية المستدامة مثالا،لوجدنا أن القطاع المالي في ظل العولمة شهد تحريرا واسعا ليصبح احد القوى الضاربة لها،بل إن التدفقات المالية أصبحت اكبر حجما من التدفقات التجارية،إضافة إلى قدرة راس المال على الحركة مقارنة بالعمل،وقد عمدت بلدان نامية عدة إلى فتح اقتصادياتها وتخفيف القيود بناء على نصيحة المؤسسات الدولية لتدفقات الأموال القصيرة الأجل دون اخذ الاحتياطات  الواجبة لمواجهة المخاطر الناجمة عن هذه التحركات،وأصبحت الاستثمارات الأجنبية المباشرة تمثل الجانب الأكبر من تدفقات رؤوس الأموال للدول النامية خلال فترة التسعينات،الأمر الذي يؤثر على هيكل هذه الاقتصاديات،ومن المعلوم أن ذلك قد تستتبعه أثار بيئية واجتماعية تتمثل في مشاكل البطالة والفقر.

7/الخلاصة
إن العولمة أثرت بشكل كبير في التنمية المستدامة سلبا وإيجابا،وان الدول معنية بإيجاد سياسات توازن بين التأثيرين،وقد جاءت التوصيات الأممية بشأن التنمية المستدامة،لكي لا يفرط البشر الحاليون في الموارد على حساب الأجيال القادمة،كما تعمل بقدر المستطاع على تجنبين البلدان الآثار السلبية للعولمة بالحفاظ على البيئة وتقليل أعداد الفقراء في العالم.

*ملاحظة:المحاضرة تلخيص لدراسة تحت عنوان:العولمة والتنمية المستدامة،للدكتور علا محمد الخواجة،منشورة في الموسوعة العربية للمعرفة من اجل التنمية المستدامة،المجلد الأول،عن الأكاديمية العربية للعلوم،الدار العربية للعلوم- ناشرون،بيروت،2006م.





0 التعليقات:

إرسال تعليق