الأحد، 4 يناير 2015

تراث المسلمين العلمي في الاقتصاد



مساهمة المسلمين في المؤسسات الاقتصادية:
موضوع هذا المبحث عن مساهمة المسلمين في المؤسسات لاقتصادية. ويتضمن المبحث تعريفاً بالمؤسسات التي قامت بوظيفة الائتمان والأعمال المصرفية، وكذلك تعريفاً بالمؤسسات الإدارية الاقتصادية.
أولاُ: نتائج البحث فى تراث المسلمين العلمي في الاقتصاد:
هدف هذا البحث هو الكشف عن تراث المسلمين العلمى فى الاقتصاد. حددنا فى بدياة الدراسة نوع التراث الذى نعمل على كشفه؛ إنه يتمثل فى الكتابات التى عملت على تفسير المسألة الاقتصادية تفسيراً عقلانياً. على هذا لم تدخل فى الدراسة الكتابات الواسعة التى قدمها المسلمون عن الفقه الاقتصادي وكذلك ما يتعلق بفروع الشريعة الأخرى وهى العقائد والأخلاق.
ما عرض فى هذه الدراسة عن تراث المسلمين العلمى فى الاقتصاد يسمح بإعطاء النتائج التالية:
1-                كتابات المسلمين من نوع التحليل العقلاني للمسألة الاقتصادية بدأت في القرن الثاني الهجري، الموافق القرن الثامن الميلادي. عقدت الريادة فى هذا النوع من الكتابة للجاحظ. من الموضوعات المتميزة في مساهمته ما كتبه عن السلع الكمالية وعن السلع الداخلة فى التبادل الدولي.
بالمقابلة مع الفكر الاقتصادي الأوروبي فإنه تعقد الريادة للمسلمين، لأن هذا النوع من الكتابة عن المسألة الاقتصادية ظهرت بداياته في القرن الخامس عشر والكتابة المعتبرة عنه جاءت في القرن السادس عشر.
2-       مساهمة الدمشقي التي قدمها في القرن الخامس/ السادس الهجري (الحادي عشر الثانى عشر الميلادى) تمثل نقلة نوعية واضحة فى الكتابات عن الاقتصاد باستخدام التحليل العقلى. تتمتع دراسته بكثرة موضوعاتها وسعة التفصيلات فيها مقارنة بمساهمة الجاحظ. يمكن القول أنه تعقد له الريادة فى الكتابة العقلانية عن: التخصص وتقسيم العمل، الثمن وقوى السوق العاملة عليه والنقود الاستهلاك والادخار.
3-       ابن خلدون هو مؤسس علم الاقتصاد؛ هذا ما أثبتته دراستنا، وهو أيضاً ما أثبتته دراسات أخرى. لقد عاش ابن خلدون في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، بإثبات أنه مؤسس علم الاقتصاد تعقد له الريادة. وبمساهمته يكون علم الاقتصاد نشأ فى أحضان تراث المسلمين العلمي في الاقتصاد المكتوب باللغة العربية. هذا الأمر نقطع به لأن الأوروبيين ينسبون تأسيس علم الاقتصاد إلى آدم سميث فى الربع الأخير من القرن الثامن عشر ولا يرجعون بالاقتصاد كعلم قبل هذا التاريخ. لهذا عندما يثبت تأسيس ابن خلدون لعلم الاقتصاد فى القرن الرابع عشر فإن هذا يقطع بريادته، ويقطع كذلك بتحديد الحضارة التي مثلت وعاء لنشأة هذا العلم وهى الحضارة الإسلامية.
في مساهمة ابن خلدون عناصر تميز واضحة. مساهمته متميزة في العناصر التي أسس عليها علم الاقتصاد، ومتميزة في نظرية تفسير التاريخ، ومتميزة بوضوح في نظرية العمران.
4-       العلم له طبيعته التطورية، ينطبق هذا على علم الاقتصاد وعلى غيره من العلوم. للعلم طبيعته فى استكمال أسسه النظرية، وبعد استكمالها تبدأ تفريعاته العملية التطبيقية. من الأمور التى تجذب الانتباه أن نشأة علم الاقتصاد الإسلامى وتطوره فى إطار تراث المسلمين العلمى فى الاقتصاد أشبع الخاصية الملازمة لتطور العلم. علم الاقتصاد تأسس مع ابن خلدون فى القرن الرابع هـ، وقد سبقت مساهمة ابن خلدون مساهمات أخرى فى التراث الإسلامى مثلت روافد فى الدراسات الاقتصادية. بعد ابن خلدون وفى القرن التاسع الهجرى الموافق الخامس عشر الميلادى تظهر فى تراث المسلمين مساهمتان لهما طبيعة عملية تطبيقية وهما مساهمة المقريزى ومساهمة الدلجى.
             ‌أ.      مساهمة المقريزى ذات طبيعة متميزة بوضوح فى دراسات النقود. الآراء التى قالها المقريزى تجعل مساهمته على قدم المساواة مع الكتابات الحديثة فى النظرية النقدية.
        ‌ب.      مساهمة الدلجى ذات طبيعة متميزة فى دراسة الفقر واقتصادياته. المنهج الذى درس به الدلجى هذا الموضوع الاقتصادى وكذا آراؤه الاقتصادية عن الفقر من حيث أسبابه ونتائجه وطرق علاجه ـ كل هذا يجعل مساهمته على قدم المساواة مع المساهمات الحديثة عن هذا الموضوع. ولقد أظهرت فى دراستنا أنه تعقد للدلجى الريادة فى هذا الفرع من فروع الدراسات الاقتصادية.
5-       أشرنا فى دراستنا إلى مساهمة المسلمين فى الرياضيات وفى المؤسسات. يمكن القول أنه بهذين الفرعين استكملت الأدبيات الاقتصادية فى تراث المسلمين العلمى فى الاقتصاد؛ أى استكملت النظرية واستكملت الفروع المساعدة وأهمها الرياضيات والمؤسسة.

الفلاكة والمفلوكون للدلجى



الفلاكة والمفلوكون للدلجى 770 هـ - 838 هـ
(1368 م - 1435 م)
1-  موضوع الكتاب:
كتب الدلجى عن الفقر وعن الفقراء. ولم تكن كتابته عن ذلك تفريعاً على كتابته فى موضوع أو موضوعات أخرى، وإنما الفقر والفقراء هو الموضوع المستهدف وحده الذى كتب عنه. بل أبلغ من ذلك إنه كتب ماكتب مخاطباً به الفقراء. يقول : " منحتكم يامعشر اخوانى المفاليك كتاباً بديع المثال، منسوجاً على غير منوال، مخترعاً من غير سابقة مثال، مسلاةً وتمثلاً وحكماً وعللاً، تتخذونه مفاكهة وأمثالاً، وتصرفون به فى ظنونكم رداً وعلالاً، وتنزعون به أيديكم من ربقه انتزاعاً وترفعون به نحو الأغراض والمقاصد شرعاً".
ذكر سبب كتابته يؤكد أنه قصد الكتابة عن الفقر والفقراء. وأنه خاطبهم بما كتب. إنه كتب ما كتب لأن: "سائلاً سأل عن السبب فى غلبة الفلاكة والإهمال على نوع الإنسان، فصادف منى نشاطاً للكلام فى ذلك نفثة مصدور، وضرب موتور، وناراً ساكنة القمها حطباً، دعوة وافقت إرادة ومطلباً". ثم إن عنوان الكتاب وتتبع موضوعاته جملة وتفصيلاً يثبت أن الكتاب كله هو دراسة فى الفقر وفى الفقراء.
دراسة الفقر والفقراء يهتم بها في أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية. وهى موضع اهتمام فى علم الاقتصاد. في السنوات الأخيرة شاع في علم الاقتصاد مصطلح اقتصاديات الفقر بل وأصبح لهذا الفرع من الدراسات الاقتصادية تفريعات متعددة. كتاب الفلاكة والمفلوكون للدلجى يدخل فى هذه الدراسات الاقتصادية عن الفقر وهو بهذا يدخل فى تراث المسلمين العلمى فى الاقتصاد.
2-  من الموضوعات الاقتصادية التي درسها الدلجي:
                   ‌أ.      تعريف الفقر.
               ‌ب.      أسباب الفقر:
§        أسباب لها مضمون عقيدي.
§        الأسباب النوعية للفقر.
§        أسباب فقر العلماء .
§        أسباب فقر التجار.
§        أسباب فقر الصناع.
§        أسباب فقر الزراع.
§        الأسباب العامة للفقر.
3-  مساهمات للدلجي في مناهج الكتابة الاقتصادية تثبت مما يلي:
§        الدراسة التطبيقية التي تضمنها كتابة.
§        التوصيات.
4-  مساهمة الدلجى مقارنة بمساهمة الأوروبيين:
المقابلة بين مساهمة الدلجى فى الاقتصاد بالمساهمة الأوروبية جاءت فى فقرة واسعة، وذلك لأهمية الموضوع وهو الفقر، وهى أهمية فى القديم وفى الحديث أيضاً. عرضت هذه المقابلة فى جوانب متعددة:
     ‌أ.        الريادة التاريخية للدلجى:
دراسة اقتصاديات الفقر من الدراسات الحديثة نسبياً، إذ أنها لم تعرف على هذا النحو الواسع إلا فى حوالى الخمسينات من هذا القرن العشرين([1]). لكن توجد مساهمة عن دراسة الفقر وهى مساهمة راونترى([2]) التى تعود إلى بداية القرن العشرين، وإن كان علم الاقتصاد لا يرتبط كثيراً بمساهمة راونترى ويشير إليها باعتبار مالها من أهمية تاريخية وليس لأهمية موضوعية.
يرجع كتاب الدلجى تاريخياً إلى القرن الثامن الهجري (الفترة من 1412 إلى 1431م). يعنى ذلك أن هذا الكتاب يرجع إلى بدايات القرن الخامس عشر الميلادي. بناءً على هذا فإن تاريخ الدراسة الاقتصادية للفقر فى إطار التراث الإسلامي يرجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
الاستنتاج الذى سجله البحث هو أن الدراسة الاقتصادية للفقر فى التراث الإسلامى تسبق نظيرتها فى علم الاقتصاد الأوروبى بحوالى خمسة قرون. وهذا إذا اعتبرنا أن هذه الدراسة يؤرخ لها فى علم الاقتصاد بكتاب راونترى الذى نشر فى 1901م. وقد يكون السبق للفكر الإسلامى بحوالى خمسة قرون ونصف، وهذا إذا اعتبرنا أن هذه الدراسة تعود تاريخياً إلى حوالى الخمسينات من القرن العشرين. وعلم الاقتصاد نفسه يرتبط بهذا التاريخ.


([1])   تعتبر الدراسات التالية من أولى الدراسات التى تحمل هذا العنوان، ووجهت الاهتمام لدراسة اقتصاديات الفقر :
- Townsend; Peter. ‘ Measuring Poverty “ British Journal of Sociology, 5, 1954.
- Weisbroad, B.A., the Economics of Poverty, Englewood Cliffs.
([2]) Rowntree, B.J., “ Poverty - A Study of Town Life, Macmillan, 1901

إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزى



إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزى (769 ـ 845 هـ)
1-  من الموضوعات الاقتصادية في الكتب:
                    ‌أ.      تاريخ النقــــــــود:
§        تاريخ النقود فى الإسلام.
§        تاريخ النقود فى مصر.
               ‌ب.      ارتفاع الأسعار والدخل الحقيقى لفئات المجتمع.
                ‌ج.      العلاقة بين العرض النقدى والأسعار :
§        وصف حالة النقود.
§        وصف حال الأسعار.
§        أثر العرض النقدي على الأسعار .
                   ‌د.      الإصدار النقدي:
§        انخفاض القوة الشرائية للنقود بسبب ارتفاع الأسعار.
2-  إسلامية آراء المقريزى في كتابه إغاثة الأمة أثبتت من الآتي:
§        عرض الأحداث الاقتصادية على الإسلام.
§        تبنى المقريزي للنظرية الإسلامية في تطور التاريخ.
3-  مساهمة المقريزى في إطار مساهمة المسلمين فى التراث العلمي في الاقتصاد:
§        مساهمة المقريزى مقابلة بفقه النقود.
§        بين مساهمة المقريزى ومساهمة الدمشقي.
4-  مساهمة المقريزى مقابلة بمساهمة الأوروبيين
§        بين مساهمة المقريزى ومساهمة بودان([1]).
بودان اقتصادي وكاتب فرنسي عاش في القرن السادس عشر الميلادي يصنف ضمن التجاريين وهم فريق من المفكرين والسياسيين وقناصل الشركات ظهر فى أوروبا فى القرون الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر وكان لهم فكرهم الاقتصادى. يرى الفكر الأوروبى أنه مع بودان بدأ الربط الاقتصادى التحليلى بين الثمن وكمية النقود. يقول الأوروبيين عن مساهمة التجاريين فى هذا الموضوع بواسطة بودان وغيره أنهم عملوا إرهاصاً لما عرف بعد ذلك باسم كمية النقود.
المقريزى سابق تاريخياً على بودان، وآراؤه عن العلاقة بين الثمن وكمية النقود قدمت كل العناصر الداخلة فى نظرية كمية النقود والتى تسمى أحياناً باسم معادلة كمية النقود. يستنتج بناء على هذا أن مساهمة المقريزى لها سبقها التاريخى على المساهمة الأوروبية كما أن لها تفوقها الموضوعى.
§        بين مساهمة المقريزى ومساهمة هيوم ولوك:
يقول الأدب الاقتصادى عن هيوم([2]) إنه يقيم كأهم مفكر له آراء اقتصادية سبق بها آدم سميث الذى يعتبرونه أبا الاقتصاد. عاش هيوم فى القرن الثامن عشر وكانت وفاته فى العام الذى نشر فيه آدم سميث كتابه المعنون ثروة الشعوب وبه بدأ علم الاقتصاد، كما يقول الأوروبيون.
لوك([3]) فيلسوف إنجليزي عاش بين القرن السابع عشر والثامن عشر كانت له مساهمته أيضاً فى موضوع علاقة النقود بالثمن. الأدبيات الاقتصادية تأخذ مساهمة هيوم ومساهمة لوك معاً وتعتبرها مساهمة من طبيعة واحدة فى موضوع نظرية كمية النقود أو معادلة كمية النقود. وإن كانت مساهمة هيوم أقوى كما أنها أحدث من مساهمة لوك.
بمساهمة لوك وهيوم فإن الأدبيات الاقتصادية تعتبر أنه وضعت عناصر نظرية كمية النقود أو معادلة كمية النقود.
نستطيع القول إن مساهمة لوك وهيوم فى نظرية كمية النقود أو معادلة كمية النقود لاتقدم أكثر مما تضمنته آراء المقريزى. والفروق بين المساهمتين تظهر فى اللغة الاقتصادية الفنية.
المقريزى سابق تاريخياً على لوك وهيوم بأكثر من قرنين من ا لزمان. وبناء على ذلك فإنه يمكن استنتاج ما يلي:
الفكر الاقتصادى الأوروبى لم تظهر فيه آراء فى موضوع النقود والثمن مشابهة لآراء المقريزى إلا بعد حوالى قرنين من الزمان.



([1])   جان بودان Jean Bodin اقتصادى وكاتب فرنسى (1530 ـ 1596 م) من أهم مؤلفاتهTraité la Republique       
المرجع :
Petit la Rousse illustré - Dictionnaire Encyclopedique, Librairie La Rousse, Paris, 1975. p. 1184.
([2])   دافيد هيوم (1711 ـ 1776 م). فيلسوف ومؤرخ انجليزى. مؤلف كتاب      Essais sur المرجع السابق  L`entemendent hummain , p. 1423
([3])   John Locke (1632 ـ 1704). فيلسوف انجليزى