الجمعة، 13 فبراير، 2015

قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام




قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام
المراد به :  أن الشارع عندما وضع أحكامه قصد أن تكون مفهومة للمكلفين, وقد نزلت على عرب أميين؛ فلا سبيل إلى فهمها إلا من خلال لغتهم وحالهم.
كيف ترد على من يرد أن يفسر أحكام الشريعة اليوم تفسيراً عصرياً ؟ ماذا يبنى على كون الشريعة نزلت على عرب أميين من شروط لفهمها؟
1/ أن الشريعة لا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم.                                                                       2/لا بد في فهم الشريعة من إتباع ما عهده وتعارف عليه العرب الذين نزل القرآن الكريم بلسانهم؛ فلا يصح أن يُجرى في فهمها على ما لا يعرفونه.                                                                                                                                      3/أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم, وقد يحصل هذا المقصود بالمعنى التركيبي دون الإفرادي, فلا يعبأ بالإفرادي حينئذ. بناءً على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني وإنما جاءت الألفاظ من أجلها, لذا ورد أن رجلاً سأل عمر عن قوله: "وفاكهة وأباً" ما الأب؟ فقال: عمر : نهينا عن التعمق والتكلف, وظاهر هذا أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبي معلوم على أكمله ولا ينبني على فهم هذه الأشياء.
4/أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية المأخوذة من الأدلة مما يسع الأمي تعقلها, ليسعه الدخول تحت أحكامها. وعلى هذا فالتعمق في البحث فيها وتطلُّب مالا يشترك الجمهور في فهمه خروج عن مقتضى كون الشريعة نزلت على قوم أميين.

قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام



قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام
أي أن الشارع قصد في أحكامه الشرعية أن تكون مفهومة للمكلفين كي يتسنى لكل مكلّف فهم المقصود من التكليف, وهذا الفهم إنما يكون إذا سلّمنا بأمرين اثنين:
الأول : أن هذه الشريعة المباركة جاءت بلسان عربي.      
         الثاني : أن هذه الشريعة المباركة أميّة.
أما علاقة المسألتين بمقاصد الشريعة فهي أن الفهم السليم للنصوص الشرعية لا يكون إلا من جهة لسان العرب لقوله تعالى} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{ }ِبلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ{وذلك للخاصية الموجودة في لسان العرب من حيث الألفاظ والأساليب والمعاني, فالعرب "فيما فطرت عليه من لسانها, تخاطب بالعام يراد به ظاهره, والظاهر يراد به غير الظاهر, وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره, وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره, أو آخره عن أوله, وتتكلّم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة, وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة, والأشياء الكثيرة باسم واحد...".والمنهج الذي وضعه الإمام الشاطبي لفهم النصوص وبالتالي فهم مقصود الشارع منها يوضحه بقوله: "فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم, الالتفات إلى أوّل الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال منها: لا ينظر في أولها دون آخرها, ولا في آخرها دون أولها, فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق بالبعض, لأنها قضية واحدة, نازلة في شيء واحد, فلا محيص للمتفهم عن ردّ آخر الكلام على أوله, وأوله على آخره, وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلّف".وهذا لا يعني وجوب تعلم دقائق اللغة والتغلغل في علومها كي يفهمها المخاطب, فهذه الأمور وُكّلت لذوي الاختصاص.

والحكمة من إنـزال الشريعة باللغة العربية



والحكمة من إنـزال الشريعة بلسان العرب
هي للمزية التي تختص بها هذه اللغة, فهي تحتمل عدّة أوجه – كما سبق – وثمرة ذلك نجدها في الفروع الفقهية وهي من أسباب الاختلاف عند العلماء, الذي هو رحمة ومآله إلى التيسير على الخلق, وهو من مقاصد التشريع العامة. وزبدة القول :  أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة, فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة.
أما علاقة المقاصد بكون الشريعة أمية
فذلك لأنها لا تحتاج في فهمها ومعرفة أوامرها ونواهيها, إلى التغلغل في معرفة العلوم الكونية والإنسانية وغيرها, لأنها نزلت على أمة أميّة, على الفطرة, لقوله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ " وقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن أمة أميّة لا نحسب ولا نكتب, الشهر هكذا وهكذا وهكذا". متفق عليه. وقد فسر معنى الأمية في الحديث, أي ليس لنا علم بالحساب ولا بالكتاب.
فإذا جاء الأمر بإقامة الصلاة – مثلاً – في أوقاتها المخصصة لها لن يحتاج المرء إلى الآلات والتقاويم الفلكية, وإنما المشاهدات الحسيّة تفي بالغرض كما هو الحال في الزوال والغروب والشفق والظلال وطلوع الفجر والشمس, وكذلك الحال في الصيام: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" متفق عليه. ولم يطالبنا بحساب سير الشمس مع القمر في المنازل لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها, ولدقة الأمر فيه وصعوبة الطريق إليه. وفي الحديث: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" رواه الخمسة إلا النسائي. فتنزيل الشريعة على مقتضى حال المنزّل عليهم أوفق برعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم. وهذا شامل حتى للأمور الاعتقادية, فهي قريبة إلى الفهم, سهلة على العقل, بحيث يشترك فيها جمهور الناس, لذلك تجد الشريعة لم تُعرّف من الأمور الإلهية إلا بما يسع فهمه, وأحالت فيما يقع فيه الاشتباه على قاعدة عامة هي قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" وسكتت على أشياء لا تهتدي إليها العقول. وفي مخاطبتهم بدلائل التوحيد كان يلفت الأنظار إلى السماء والأرض والجبال والسحاب والنبات وهي مما يعرفونه, وكذلك في إخبارهم بنعيم الجنة وأصناف ذلك مما هو مفهوم في تنعماتهم في الدنيا لكنه مبرأ من الغوائل والآفات التي لا تلازم التنعيم الدنيوي, كما في قوله تعالى " فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ  وَمَاء مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لّا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء "وبين لهم مأكولات الجنة ومشروباتهم كاللبن والعسل, والماء والتمر والنخيل والأعناب دون الجوز واللوز والكمثرى والتفاح وغير ذلك من فواكه الأرياف وبلاد العجم وإنما أجمل ذلك في لفظ الفاكهة. والمقصد من هذا كله دخول جمهور المكلفين من عرب وغيرهم تحت أحكام التكليف التي لا تتوقف على وسائل علمية وعلوم كونية وما شابه ذلك.غير أن هناك أموراً في هذه الشريعة يدق فهمها على عموم الناس, تُركت لخواص المجتهدين يسبرون غورها لمعرفة كنهها " ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "

مسألة من المسائل التي ذكرها الشاطبي



مسألة من المسائل التي ذكرها الشاطبي:
المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تُقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى, لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية, أو درء مفاسدها العادية, والدليل على ذلك أمور:
الأول: أن الشريعة إنما جاءت لتُخرْج المكلفين عن دواعي أهوائهم, حتى يكونوا عباداً لله. وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرضِ أن يكون وضعُ الشريعة على وفق أهواء النفوس, وطلب منافعها العاجلة كيف كانت, وقد قال ربنا سبحانه }وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
وَمَنْ فِيهِنَّ{
الثاني : أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة, كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع, كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبةُ الإحياء, بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها, أو إتلافها وإحياء المال, كان  إحياؤها أولى. فإن عارض إحياؤها إماتةَ الدين, كان إحياء الدين أولى وإن أدَّى إلى إماتتها؛ كما جاء في جهاد الكفار, وقتل المرتد, وغير ذلك, وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلاً, كان إحياء النفوس الكثيرة أولى. وكذلك إذا قلنا: الأكل والشرب فيه إحياء النفوس, وفيه منفعة ظاهرة, مع أن فيه من المشآق والآلام في تحصيله ابتداء, وفي استعماله حالاً, وفي لوازمه وتوابعه انتهاء, كثيراً.ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم, وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا, لا من حيث أهواء النفوس, حتى إن العقلاء قد اتفقوا على هذا النوع في الجملة, وإن لم يدركوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع, فقد اتفقوا في الجملة على اعتبار إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة, بحيث منعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك. هذا وإن كانوا بفقد الشرع على غير شيء, فالشرع لما جاء بين هذا كله, وحمل المكلفين عليه طوعاً أو كرهاً, ليقيموا أمر دنياهم لآخرتهم.
الثالث : أن المنافع والمضارّ عامّتها إضافية لا حقيقية. ومعنى كونها إضافية أنها منافعُ أو مضارّ في حال دون حال, وبالنسبة إلى شخص دون شخص, أو وقت دون وقت. فالأكل والشرب مثلاً منفعة للإنسان ظاهرة, لكن عند وجود داعية الأكل, وكون المتناوَل لذيذاً طيباً, لا كريهاً ولا مراً, وكونه لا يولّد ضرراً عاجلاً ولا آجلاً, وجهةُ اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل, ولا يلحق غيره بسببه أيضاً ضرر عاجل ولا آجل. وهذه الأمور قلما تجتمع, فكثير من المنافع تكون ضرراً على قوم لا منافع, أو تكون ضرراً في وقت أو حال, ولا تكون ضرراً في آخر. وهذا كله بيِّن في كون المصالح والمفاسد مشروعة أو ممنوعة لإقامة هذه الحياة, لا لنيل الشهوات, ولو كانت موضوعة لذلك لم يحصل ضرر مع متابعة الأهواء, ولكن ذلك لا يكون, فدلّ على أن المصالح والمفاسد لا تتبع الأهواء.
الرابع : أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف, بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو منتفع به تضرر آخر لمخالفة غرضه, فحصول الاختلاف في الأكثر يمنع من أن يكون وضعُ الشريعة على وفق الأغراض, وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح مطلقاً, وافقت الأغراض أو خالفتها.